فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم . أما قوله تعالى : * ( الذي له ملك السماوات والأرض ) * فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى . واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة . الأصل الأول : إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً . والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى : * ( الذي له ملك السماوات والأرض ) * وذلك لأن أجسام السماوات والأرض ، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر ، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل ، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له مؤثر ، لكن كان ذلك المؤثر موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكناً . والأصل الثاني : إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، وإليه الإشارة بقوله : * ( لا إله إلا هو ) * وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل ، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان ، وأرسل أحد الإلهين نبياً إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقاً له ، بل كان مخلوقاً للإله الثاني ، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته ، فكان بعثة الرسول إليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلماً وباطلاً . أما إذا ثبت أن الإله واحد ، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيداً له ، ويكون تكليفه في الكل نافذاً وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازماً ، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحداً لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكليف جائزاً . والأصل الثالث : إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثاً ولغواً ، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله : * ( يحي ويميت ) * لأنه لما أحيا أولاً ، ثبت كونه قادراً على الإحياء ثانياً ، فيكون قادراً على الإعادة والحشر والنشر ، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاماً عظيماً ، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائماً مقام الشكر عن الإحياء الأول ، وأيضاً لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادراً على إيصال الجزاء إليه . واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ،